الشيخ محمد حسين الحائري
138
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
صحت صلاته وكذلك بقية عباداته الغير الكونية فيه ومنها أن من آجر نفسه على الكون في مكان كان له أن يؤجر نفسه لاخر على عمل كالخياطة والتجارة والصلاة فيه إذا ساغ له التصرف فيه ومنها أن من كان في مكان رياء صحت صلاته وسائر أفعاله الراجحة التي أوقعها فيه إن لم يراء فيها ومنها صحة الصلاة في مواضع التهمة وإن بلغ حد التحريم وقد مر التنبيه عليه ومنها صحة الصلاة ونحوها تحت جدار يخاف هدمها أو في مكان يخاف على نفسه مع تمكنه من التخلص بالذهاب ومنها أن المعتكف إذا تحرك في المسجد حركة محرمة أو سكن سكونا محرما لم يبطل اعتكافه بذلك بخلاف ما لو كان كونه فيه كونا محرما كما لو نذر أن لا يكون في بعض جوانبه ولو في بعض الأحوال فكان فيه فإن قضية الأصل فيه البطلان إلى غير ذلك فإن حرمة الكون في هذه المواضع لا ينافي صحة العمل وإن توقف في بعضها على ما مر تحقيقه من أن الامر بالشئ لا يقتضي فساد الضد وعلى الوجه الثالث بأن إنكار حصول الامتثال بالخياطة مكابرة تشهد الضرورة بخلافها ويمكن دفعه بأن المجيب إنما أنكر الامتثال على تقدير أن يكون الكون في المكان جزا منها فهو كالتزام محال على تقدير محال ولا غبار عليه إذا تحقق اللزوم بينهما أو أنه مبني على حمل الكون على المعنى الثالث وحينئذ فلا تشهد الضرورة على خلاف ما ادعاه إن لم تشهد عليه ومع الاغماض عن ذلك كله فلنا أن نمنع حجية العرف في مثل هذه المسألة فإنها من المباحث العقلية النظرية فيجوز تطرق الخطأ فيها إلى أفهام العوام غاية الأمر أنه إذا ورد من المولى الحكيم العارف بالحال مثل هذا الخطاب وجب عليه أن ينبه الجاهل في مقام الحاجة على مورد الخطأ ببيان أن مراده الاتيان بالفعل في غير ذلك المكان كما يجب عليه التنبيه على سائر الشروط المعتبرة عنده مما لا مسرح للعقل فيها واعلم أن من فروع المسألة ما لو صلى في الدار المغصوبة بل مطلق المكان المغصوب مع العلم بالتحريم وقد مر فتبطل على القول بعدم جواز الاجتماع لما مر ويصح على القول بجوازه إن لم يدل دليل على خلافه ومنها ما لو صلى في ملبوس مغصوب ولو كان خاتما بل مطلق المحمول نعم يعتبر هنا وقوع بعض الأفعال فيه كالهوي إلى الركوع والسجود والانتصاب منهما بناء على كونهما جزا من الصلاة وأما لو كان حال استقراره فقط فالقاعدة تقتضي الصحة على القولين لا سيما إذا كان متسترا بغيره فعلى هذا لو حمل ثوبا مغصوبا حال القيام وألقاه عند ركوعه ثم حمله فيه وألقاه عند الانتصاب منه والهوي إلى سجوده وهكذا صحت صلاته ومنها ما لو صلى على مغصوب من أرض أو ثوب أو شبهه ويعتبر في البطلان وقوع بعض الفعل الواجب عليه كما لو وضع رجليه عليه حال القيام الواجب والركوع أو وضع أحد المساجد السبعة عليه كما في القيام ولو قام على غيره ووضع أصابع رجليه عليه أو سجد على غيره ووضع أصابع يديه عليه أو كان الوضع في غير حال وجوبه فالوجه عدم البطلان ومن لواحق المسألة ما لو أذن له مالك الدار في التصرف فيها مطلقا ونهاه عن أكل شئ مطلقا فأكله فيها فعلى ما اخترناه يكون آثما بفعله وعلى القول الآخر لا إثم عليه لتغاير الطبيعتين وقد مر نظيرها في مسألة الضد ولو زكى في مكان مغصوب أو خمس أو تصدق فيه فالوجه صحة عمله لان نقل المال إلى الاخذ أو تخصيصه به أمر معنوي لا يشتمل على التصرف في المكان والقبض والاقباض وإن اشتملا على التصرف فيه إلا أنهما شرط في وقوع ذلك فالنهي عنهما من حيث كونهما غصبا لا يقتضي فساد المشروط كما سيأتي فصل حكي عن القاضي في مثل من توسط أرضا مغصوبة القول بأنه مأمور بالخروج ومنهي عنه وأنه عاص بفعله وتركه وعزي ذلك أيضا إلى جماعة من أصحابنا وذهب قوم إلى أنه مأمور بالخروج وليس منهيا عنه ولا معصية عليه والحق أنه مأمور بالخروج مطلقا أو بقصد التخلص وليس منهيا عنه حال كونه مأمورا به لكنه عاص به بالنظر إلى النهي السابق وكان ما عزي إلى الفخر الرازي من القول بأنه مأمور بالخروج وحكم المعصية جار عليه راجع إلى ما ذكرناه لنا أن المكلف في الزمن الذي لا يتمكن من الخروج فيما دونه لا يتمكن من ترك الغصب فيه مطلقا فلا يصح النهي عنه مطلقا إذ التكليف بالمحال محال عندنا وإن كان ناشئا من قبل المكلف للقطع بكونه سفها نعم ربما يجوز أن يؤمر به حينئذ على وجه التعجيز والسخرية لكنه خارج عن المتنازع فإذن لا بد من ارتفاع النهي عن الغصب في تلك المدة على بعض الوجوه وليس إلا صورة الخروج إذ لا قائل بغيره ولدلالة العقل والنقل على أنه مأمور بالخروج وهو يقتضي عدم النهي عنه وإلا لعاد المحذور من التكليف المحال والتكليف بالمحال نعم يجري عليه حكم المعصية في تلك المدة على تقدير الخروج بالنسبة إلى النهي السابق على وقوع السبب أعني الدخول لتمكنه منه حينئذ وهذا حكم كلي يجري في جميع ذوات الأسباب التي لا تقارن حصولها حصول أسبابها كالقتل المستند إلى الالقاء من الشاهق ومثله ترك الحج عند الاتيان بما يوجبه من ترك المسير وغير ذلك فإن التحقيق في مثل ذلك أن التكليف بالفعل يرتفع عند ارتفاع تمكن المكلف منهما ويبقى حكم المعصية من استحقاق الذم والعقاب جاريا عليه وكذا الكلام في الامر فإن التكليف بالمأمور به يرتفع عند الاتيان بالسبب الموجب له ويبقى حكم الامتثال والطاعة من استحقاق المدح والثواب جاريا عليه حال حصوله هذا وينبغي أن يعلم أن الخروج إنما يجب ويتعين إذا انحصر سبيل التخلص من الغصب على الوجه المشروع حال الغصب فيه كما هو الغالب وعليه يحمل إطلاق كلماتهم وأما لو علم بحصول أحد الأسباب المبيحة للتصرف في مدة لا يزيد على زمن الخروج كما لو علم بانتقال العين أو المنفعة إليه أو إلى من يبيح له التصرف أو علم بحصول رضى المالك لم يجب عليه الخروج إلا أن يعين عليه المالك في وجه ولو تمكن من التخلص ببذل وشبهه لم يتعين عليه الخروج احتج من قال بأنه مأمور بالخروج ومنهي عنه بأنهما دليلان تواردا فلا بد من إعمالهما إذ المانع منهما إما العقل وليس إلا لكونه تكليفا بالمحال وهو لا يصلح مانعا لجوازه إذا كان من قبل المكلف وإما العرف ولا دلالة عليه فإن قيل الخروج أخص من الغصب وتوارد الأمر والنهي على العام والخاص يفيد عرفا تخصيص